عبد الرحمن بن ناصر السعدي
449
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
حق الله ، فإن هذا الزهد واجب . ومن الدواعي للزهد ، أن يقابل العبد لذات الدنيا وشهواتها بخيرات الآخرة . فإنه يجد من الفرق والتفاوت ، ما يدعوه إلى إيثار أعلى الأمرين . وليس الزهد الممدوح ، هو الانقطاع للعبادات القاصرة ، كالصلاة ، والصيام ، والذكر ونحوها . بل لا يكون العبد زاهدا ، زهدا صحيحا ، حتى يقوم بما يقدر عليه ، من الأوامر الشرعية ، الظاهرة والباطنة ومن الدعوة إلى الله وإلى دينه بالقول والفعل . فالزهد الحقيقي ، هو : الزهد فيما لا ينفع في الدين والدنيا ، والرغبة والسعي في كل ما ينفع . * ( ولنجزين الذين صبروا ) * على طاعة الله ، وعن معصيته ، وفطموا أنفسهم عن الشهوات الدنيوية ، المضرة بدينهم * ( أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) * الحسنة بعشر أمثالها ، إلى سبعمائة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة ، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ، ولهذا ذكر جزاء العاملين في الدنيا والآخرة ، فقال : * ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ) * فإن الإيمان شرط في صحة الأعمال الصالحة وقبولها ، بل لا تسمى أعمالا صالحة ، إلا بالإيمان ، والإيمان مقتض لها ، فإنه : التصديق الجازم ، المثمر لأعمال الجوارح من الواجبات والمستحبات . فمن جمع بين الإيمان والعمل الصالح * ( فلنحيينه حياة طيبة ) * وذلك بطمأنينة قلبه ، وسكون نفسه ، وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه ، ويرزقه الله رزقا حلالا طيبا ، من حيث لا يحتسب . * ( ولنجزينهم ) * في الآخرة ، * ( أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) * من أصناف اللذات ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . فيؤتيه الله في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة . * ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ) * أي : فإذا أردت القراءة لكتاب الله ، الذي هو أشرف الكتب وأجلها ، وفيه صلاح القلوب ، والعلوم الكثيرة ، فإن الشيطان أحرص ما يكون على العبد ، عند شروعه في الأمور الفاضلة ، فيسعى في صرفه عن مقاصدها ومعانيها . فالطريق إلى السلامة من شره الالتجاء إلى الله ، والاستعاذة من شره ، فيقول القارئ : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) متدبرا لمعناها ، معتمدا بقلبه على الله ، في صرفه عنه ، مجتهدا في دفع وسواسه وأفكاره الرديئة ، مجتهدا على السبب الأقوى في دفعه ، وهو : التحلي بحلية الإيمان والتوكل . فإن الشيطان * ( ليس له سلطان ) * أي : تسلط * ( على الذين آمنوا وعلى ربهم ) * وحده لا شريك له * ( يتوكلون ) * ، فيدفع الله عن المؤمنين المتوكلين عليه ، شر الشيطان ، ولا يبقى له عليهم سبيل . * ( إنما سلطانه ) * أي تسلطه * ( على الذين يتولونه ) * أي : يجعلونه لهم وليا . وذلك بتخليهم عن ولاية الله ، ودخولهم في طاعة الشيطان ، وانضمامهم لحزبه . فهم الذين جعلوا له ولاية على أنفسهم ، فأزهم إلى المعاصي أزا ، وقادهم إلى النار قودا . * ( وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ) * يذكر تعالى أن المكذبين بهذا القرآن ، يتتبعون ما يرونه حجة لهم ، وهو أن الله تعالى هو الحاكم الحكيم ، الذي يشرع الأحكام ، ويبدل حكما مكان آخر ، لحكمته ورحمته ، فإذا رأوه كذلك ، قدحوا في الرسول ، وبما جاء به ، و * ( قالوا إنما أنت مفتر ) * . قال الله تعالى : * ( بل أكثرهم لا يعلمون ) * فهم جهال ، لا علم لهم بربهم ولا بشرعه . ومن المعلوم أن قدح الجاهل بلا علم ، لا عبرة به ، فإن القدح في الشيء فرع عن العلم به ، وما يشتمل عليه ، مما يوجب المدح والقدح . ولهذا ذكر تعالى حكمته في ذلك فقال : * ( قل نزله روح القدس ) * وهو جبريل الرسول ، المقدس المنزه عن كل عيب وخيانة وآفة . * ( من ربك بالحق ) * أي : نزوله من عند الله بالحق ، وهو مشتمل على الحق ، في أخباره ، وأوامره ، ونواهيه ، في سبيل لأحد أن يقدح فيه قدحا صحيحا ، لأنه إذا علم أنه الحق ، علم أن ما عارضه وناقضه باطل . * ( ليثبت الذين آمنوا ) * عند نزول آياته وتواردها عليهم ، وقتا بعد وقت . فلا يزال الحق يصل إلى قلوبهم شيئا فشيئا ، حتى يكون إيمانهم أثبت من الجبال الرواسي ، وأيضا ، فإنهم يعلمون أنه الحق . وإذا شرع حكما من الأحكام ، ثم نسخه ، علموا أنه أبدله ، بما هو مثله ، أو خير منه لهم ، وأن نسخه ، هو المناسب للحكمة الربانية ، والمناسبة العقلية . * ( وهدى وبشرى للمسلمين ) * أي : يهديهم إلى حقائق الأشياء ، ويبين لهم